فرط الحساسية المتأخر المعتمد على الخلية: آلية الاستجابة المناعية الخلوية المتأخرة ودورها في الأمراض

ما هو فرط الحساسية المتأخر المعتمد على الخلية؟

فرط الحساسية المتأخر المعتمد على الخلية (Delayed Hypersensitivity)، والمعروف أيضاً باسم النوع الرابع من فرط الحساسية أو فرط الحساسية الخلوي, هو نوع من الاستجابة المناعية الضارة التي تتوسطها الخلايا التائية (T-cells) وليس الأجسام المضادة.  يتميز هذا النوع من فرط الحساسية بتأخر ظهور التفاعل المناعي بعد التعرض للمستضد، على عكس أنواع فرط الحساسية الأخرى التي تحدث بشكل فوري نسبيًا.  يلعب فرط الحساسية المتأخر دوراً هاماً في العديد من الحالات المرضية، سواء كانت حميدة أو خطيرة.

آلية فرط الحساسية المتأخر المعتمد على الخلية:

يمكن تقسيم آلية فرط الحساسية المتأخر إلى مرحلتين رئيسيتين:

1. مرحلة التحسس (Sensitization Phase):

  • التعرض الأولي للمستضد: تبدأ العملية عند التعرض الأولي للمستضد (المحفز للحساسية). يمكن أن يكون هذا المستضد مجموعة متنوعة من المواد، مثل المواد الكيميائية في نبات اللبلاب السام، معادن مثل النيكل، بروتينات بكتيرية (كما في اختبار السلين)، أو مستضدات زرع الأعضاء.
  • معالجة المستضد وتقديمه: تقوم الخلايا المقدمة للمستضد (Antigen-Presenting Cells - APCs)، مثل الخلايا المتغصنة (Dendritic Cells) والخلايا البلعمية الكبيرة (Macrophages)، بابتلاع المستضد ومعالجته إلى ببتيدات صغيرة.
  • تنشيط الخلايا التائية наивной (Naive T cells): تقوم الخلايا المقدمة للمستضد بعرض هذه الببتيدات المستضدية على جزيئات التوافق النسيجي الكبرى من النوع الثاني (MHC class II) للخلايا التائية المساعدة наивной CD4+ في العقد الليمفاوية.
  • تتمايز الخلايا التائية CD4+ إلى خلايا TH1 ذاكرة (Memory TH1 cells): يؤدي التعرف على المستضد في سياق MHC class II إلى تنشيط الخلايا التائية наивной CD4+ وتمايزها إلى خلايا TH1 ذاكرة متخصصة في هذا المستضد. تستغرق هذه المرحلة عادةً من 1 إلى 2 أسبوعًا.

2. مرحلة الإثارة (Elicitation Phase):

  • التعرض المتكرر للمستضد: عند التعرض المتكرر للمستضد نفسه، تتعرف الخلايا التائية TH1 الذاكرة التي تم تكوينها في مرحلة التحسس على المستضد مرة أخرى في موقع دخوله إلى الجسم.
  • إطلاق السيتوكينات: عند التنشيط، تطلق خلايا TH1 الذاكرة سيتوكينات متعددة، أهمها:
  1. إنترفيرون غاما (IFN-γ): يعتبر IFN-γ السيتوكين الرئيسي في فرط الحساسية المتأخر. يقوم بتنشيط الخلايا البلعمية الكبيرة بشكل كبير، ويزيد من تعبير MHC class II على سطحها، ويعزز تدمير الميكروبات داخل الخلايا.
  2. عامل نخر الورم ألفا (TNF-α) وعامل نخر الورم بيتا (TNF-β): يساهمان في الالتهاب وتفعيل الخلايا البلعمية الكبيرة، ويمكن أن يشاركا في تلف الأنسجة.
  • كيموكينات (Chemokines): تجذب الكيموكينات المزيد من الخلايا المناعية، خاصة الخلايا البلعمية الكبيرة والخلايا التائية الأخرى، إلى موقع التفاعل.
  • تراكم وتنشيط الخلايا البلعمية الكبيرة: تؤدي السيتوكينات التي تطلقها خلايا TH1 إلى تراكم أعداد كبيرة من الخلايا البلعمية الكبيرة في موقع التعرض للمستضد. تصبح هذه الخلايا البلعمية الكبيرة "منشطة" بشكل كبير، وتطلق مجموعة واسعة من الوسائط الالتهابية والإنزيمات الهاضمة والأنواع التفاعلية للأكسجين والنيتروجين.
  • تلف الأنسجة: تسبب هذه الوسائط التي تطلقها الخلايا البلعمية الكبيرة المنشطة تلفًا موضعياً للأنسجة. يمكن أن يشمل هذا التلف:
  1. الالتهاب: يتميز بالاحمرار والتورم والحرارة والألم في موقع التفاعل.
  2. تدمير الخلايا: يمكن أن تسبب الإنزيمات الهاضمة والأنواع التفاعلية تلفًا مباشرًا للخلايا في الأنسجة.
  3. تكوين الورم الحبيبي (Granuloma Formation) في الحالات المزمنة: في بعض الحالات، مثل العدوى بالسل أو الساركويد، يؤدي الالتهاب المزمن بوساطة فرط الحساسية المتأخر إلى تكوين تجمعات منظمة من الخلايا المناعية تسمى الأورام الحبيبية.

الخلايا المشاركة في فرط الحساسية المتأخر:

  • خلايا CD4+ TH1 (الخلايا التائية المساعدة من النوع الأول): هي اللاعب الرئيسي في فرط الحساسية المتأخر. تقوم بتنسيق الاستجابة المناعية من خلال إطلاق السيتوكينات التي تنشط الخلايا البلعمية الكبيرة.
  • الخلايا البلعمية الكبيرة (Macrophages): هي الخلايا المؤثرة الرئيسية في فرط الحساسية المتأخر. تقوم بتنفيذ معظم التلف النسيجي من خلال إطلاق الوسائط الالتهابية والإنزيمات الهاضمة.
  • خلايا CD8+ T السامة للخلايا (Cytotoxic T Lymphocytes - CTLs): يمكن أن تلعب دورًا ثانويًا في بعض تفاعلات فرط الحساسية المتأخر، خاصة في الحالات التي يتضمن فيها المستضد خلايا الجسم المصابة (مثل العدوى الفيروسية أو رفض الطعم المزروع). تقوم CTLs بقتل الخلايا المصابة مباشرة.

الخصائص المميزة لفرط الحساسية المتأخر:

  • التأخير الزمني: يستغرق ظهور التفاعل عادةً 24-72 ساعة بعد التعرض المتكرر للمستضد، وقد يستغرق في بعض الحالات أيامًا أو أسابيع. هذا التأخير هو ما يميزه عن أنواع فرط الحساسية الأخرى.
  • الاستجابة الخلوية: يتم بوساطة الخلايا التائية والخلايا البلعمية الكبيرة، ولا يشمل الأجسام المضادة بشكل كبير.
  • الالتهاب الحبيبي في الحالات المزمنة: يمكن أن يؤدي الالتهاب المزمن إلى تكوين الأورام الحبيبية.
  • الجلد هو الموقع الأكثر شيوعًا للتفاعل: تفاعلات الجلد مثل التهاب الجلد التماسي واختبار السلين هي أمثلة كلاسيكية لفرط الحساسية المتأخر.

أمثلة على تفاعلات فرط الحساسية المتأخر المعتمد على الخلية:

  • التهاب الجلد التماسي التحسسي (Allergic Contact Dermatitis): يحدث بسبب التعرض لمواد كيميائية معينة مثل مواد اللبلاب السام (Poison Ivy) أو النيكل (Nickel). يتسبب في طفح جلدي حاك ومتقرح.
  • تفاعل التوبركولين (Tuberculin Reaction) أو اختبار السلين (Mantoux test): يستخدم لتحديد ما إذا كان الشخص قد تعرض سابقًا لبكتيريا السل المتفطرة (Mycobacterium tuberculosis). يتم حقن مستخلص بروتيني من البكتيريا تحت الجلد. إذا كان الشخص مصابًا بالسل أو تعرض له سابقًا، سيحدث تفاعل التهابي متأخر (احمرار وتورم) في موقع الحقن خلال 48-72 ساعة.
  • رفض الطعم المزروع (Graft Rejection): تلعب تفاعلات فرط الحساسية المتأخر دورًا رئيسيًا في رفض الأعضاء والأنسجة المزروعة، خاصة الرفض المزمن.
  • الورم الحبيبي (Granuloma Formation) في الأمراض المعدية: يتكون الورم الحبيبي في بعض الأمراض المعدية مثل السل (Tuberculosis) والجذام (Leprosy) والبلهارسيا (Schistosomiasis) كوسيلة لعزل العامل الممرض الذي لا يمكن التخلص منه بسهولة.
  • بعض أمراض المناعة الذاتية (Autoimmune Diseases): تساهم تفاعلات فرط الحساسية المتأخر في بعض أمراض المناعة الذاتية مثل التصلب المتعدد (Multiple Sclerosis - MS) والتهاب المفاصل الروماتويدي (Rheumatoid Arthritis - RA) وداء كرون (Crohn's disease).

التشخيص والعلاج:

  • التشخيص: يعتمد على التاريخ المرضي والفحص السريري، بالإضافة إلى اختبارات جلدية مثل اختبار التوبركولين (للسلين) أو اختبارات الرقعة (Patch tests) لتحديد مسببات التهاب الجلد التماسي التحسسي.
  • العلاج: يهدف إلى تقليل الالتهاب وتخفيف الأعراض. يشمل العلاج:
  1. تجنب التعرض للمستضد: هو الإجراء الأهم.
  2. الكورتيكوستيرويدات الموضعية أو الجهازية: تستخدم لتقليل الالتهاب.
  3. مثبطات المناعة: تستخدم في الحالات الشديدة أو المزمنة، مثل رفض الطعم المزروع وأمراض المناعة الذاتية.

خلاصة:

فرط الحساسية المتأخر المعتمد على الخلية هو نوع هام من الاستجابة المناعية الخلوية التي تلعب دورًا في مجموعة متنوعة من العمليات المرضية. فهم آليته والخلايا المشاركة فيه يساعد في تشخيص وعلاج هذه الحالات بشكل أفضل.  على الرغم من أن فرط الحساسية المتأخر يمكن أن يسبب تلفًا نسيجيًا، إلا أنه يمثل أيضًا جزءًا أساسيًا من الاستجابة المناعية الوقائية ضد مسببات الأمراض داخل الخلايا مثل البكتيريا والفطريات والفيروسات.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال